يُعدّ التحلي بروح الريادة في مواجهة تحديات العصر جزءًا لا يتجزأ من روح رالي داكار، وهي الروح التي تجسدت بالفعل عام 1985 عندما أطلق دانيال بالافوان وتييري سابين برنامج «باريس–داكار، رهان القلب».
ومنذ انطلاقته، تميز رالي داكار ببعده التقني الاستثنائي، إذ يُعد مختبرًا حقيقيًا في الهواء الطلق تُبتكر فيه حلول المستقبل وتُختبر. وقد أتاحت ظروفه القاسية اختبار أنظمة دفع جديدة، وتحسين تجهيزات سلامة مبتكرة، وفتح المجال أمام تجارب قادرة على إحداث تحول دائم في عالم الراليات الصحراوية. ومن هذا المنطلق الريادي، واكب برنامج «داكار المستقبل» ظهور أنظمة الدفع الهجينة، وهو التقدم الذي تجسد في فوز كارلوس ساينز عام 2024 على متن سيارة آودي آر إس كيو إي-ترون. واليوم، يستكشف ما يقارب نصف المركبات المشاركة ضمن الاتحاد الدولي للسيارات تقنيات تهدف إلى خفض الانبعاثات، فيما بدأت تتبلور مسارات جديدة من خلال مشروع «مهمة 1000».
ويمتد هذا النهج الابتكاري بصورة طبيعية إلى البعد الإنساني لرالي داكار. فقد دعم الحدث في البداية مبادرات محلية في أفريقيا، مثل توفير مضخات المياه وبناء الآبار، قبل أن يواصل جهوده بالتعاون مع منظمة «إس أو إس الساحل»، ثم في أمريكا الجنوبية من خلال مساندة منظمة «تيتشو» غير الحكومية في مكافحة الفقر والسكن غير الملائم. وفي الآونة الأخيرة، عزز داكار أنشطته التضامنية في الشرق الأوسط إلى جانب جمعية «هيلب سنتر»، التي تُعنى بدعم الأطفال من ذوي الهمم الجسدية والذهنية، مع إطلاق مبادرات جديدة لاكتشاف المواهب الرياضية من خلال برنامج «السعودية الجيل القادم».
روح المغامرة
المهمة 1000
أُطلق برنامج «داكار المستقبل» في عام 2021 بهدف تطوير استخدام مصادر الطاقة البديلة في الرالي. وقد أسهمت الإجراءات التي جرى تطبيقها في تحقيق تقدم ملموس، لا سيما لناحية استخدام الوقود الحيوي، الذي أصبح معتمدًا الآن لدى غالبية الفرق المشاركة ضمن فئة ألتميت، مثل داسيا ساندرايدرز، وفورد إم-سبورت، وإكس-رايد، وتويوتا غازو ريسينغ أوروبا. وتوفر هذه الخيارات فوائد فورية، إذ يساهم الوقود الحيوي في خفض انبعاثات الكربون بنحو 70%.
وبالتوازي مع ذلك، أنشأ رالي داكار من خلال برنامج «المهمة 1000» منصة حقيقية لعرض أكثر التقنيات ابتكارًا، والتي يجري اختبارها ضمن ظروف مناخية قاسية داخل صحراء المملكة العربية السعودية. وتنضم كل عام مشاريع طموحة جديدة إلى هذا المختبر المفتوح.
الجيل السعودي القادم
يقدم برنامج «الجيل السعودي القادم» تجربة استثنائية تمتد خمسة أيام في عالم رالي داكار، إلى جانب نخبة من خبراء الحدث الأسطوري، بهدف اكتشاف أبطال رياضة السيارات السعوديين في المستقبل، ومنحهم الفرصة لإظهار كامل إمكاناتهم. وسيختبر المشاركون الأجواء الحماسية التي تحيط برالي داكار من خلال ورش عمل نظرية واختبارات عملية، بما في ذلك ثلاث مراحل تحاكي المسار الحقيقي لرالي داكار.
وفي كل عام، يتم اختيار خمسة سائقين موهوبين للمشاركة في البرنامج، بينما ينال أفضلهم فرصة المشاركة في رالي داكار في العام التالي.
مسؤولية داكار
إلى جانب الهوية القائمة على التضامن، يسعى رالي داكار لأن يكون حدثًا منفتحًا على الجميع، ولا سيما مجتمع الشباب المحلي، الذي تتم دعوتهم لاكتشاف كواليس الحدث. كما يحرص الرالي على الحد من تأثيره البيئي، من خلال احترام المناطق الحساسة التي يمر بها، وتعزيز إجراءاته المسؤولة داخل المخيم عامًا بعد عام، ولا سيما عبر تقليل البصمة البيئية باستخدام مصادر طاقة منخفضة الانبعاثات الكربونية، والجمع المنهجي للنفايات وفرزها.
- في أفريقيا، أتاح رالي داكار، بمبادرة من دانيال بالافوان وتييري سابين، إطلاق مشاريع إنسانية، من بينها برنامج «باريس–داكار، رهان القلب»، الذي شمل إنشاء المركز الصحي ومركز الأمومة «تييري سابين» في نياغا وغيرها من المبادرات. وأصبحت مؤسسة «إس أو إس الساحل» لاحقًا شريكًا أساسيًا لداكار في تنسيق جهوده لدعم القرى الأفريقية.
- في أمريكا الجنوبية، دعم رالي داكار مشروع «ريد مادري دي ديوس»، الذي يعمل على تعزيز الرفاه الاجتماعي والصحة والتعليم للأطفال في مدارس إيناباري في بيرو، كما دعم منظمة «تيتشو» في أمريكا الجنوبية في جهودها لمكافحة الفقر والسكن غير اللائق، من خلال أكثر من 400 مشروع اجتماعي.
- منذ عام 2020، يواصل رالي داكار التزامه الإنساني في المملكة العربية السعودية، حيث يدعم بشكل خاص منظمة «هيلب سنتر»، التي تعمل على تعزيز دمج الأشخاص ذوي الهمم، ويقدم المساعدة للشباب السعوديين من ذوي الهمم الجسدية والذهنية. كما يساهم في تمويل المعدات الرياضية لفريق «ديزرت غزالز»، بما يتيح لأفراده التدريب والمنافسة في أفضل الظروف.
- يعمل رالي داكار أيضًا على الحد من هدر الطعام، من خلال تنظيم إعادة توزيع المواد الغذائية غير المستهلكة في المخيم لصالح إحدى الجمعيات الإنسانية. ويُستكمل ذلك بالتبرع بفائض الملابس التي توفرها الجهة المنظمة، لمنح السترات والمعاطف والخيام حياة جديدة على المستوى المحلي.
- إلى جانب هذه المبادرات التضامنية، يوسّع رالي داكار انفتاحه على الشباب السعودي، حيث يتيح سنويًا لمئات الطلاب فرصة التعرف على كواليس المخيم، والالتقاء بنجوم الراليات الصحراوية، والمشاركة في برامج تعليمية عالية الجودة تشمل الميكانيكا والهندسة والسلامة المرورية والتنمية المستدامة وغيرها.
- منذ عام 2010، يقيس رالي داكار بصورة منتظمة بصمته الكربونية، بهدف التحول تدريجيًا إلى حدث أكثر مسؤولية واستدامة.
- يُعد هذا الطموح محورًا رئيسيًا في برنامج «داكار المستقبل»، الذي يهدف إلى تحويل الحدث إلى مختبر مفتوح لتطوير أنظمة الدفع البديلة.
- يأخذ تصميم مسار الرالي في الاعتبار متطلبات حماية التنوع البيولوجي والمناطق الطبيعية الحساسة، وذلك بالتنسيق مع سلطات الدولة المستضيفة.
- يعزز رالي داكار سنويًا إجراءاته البيئية داخل المخيم، بهدف الوصول مستقبلًا إلى مخيم مستقل عن مصادر الطاقة الكربونية. وتشمل هذه الإجراءات استخدام وسائل تنقل صديقة للبيئة، مثل أسطول من الدراجات الكهربائية الصغيرة والمركبات الخفيفة الكهربائية بالكامل، بالإضافة إلى استخدام الوقود الحيوي في بعض المولدات الكهربائية التابعة للمنظمين، والاستعانة بمولدات تعمل بالطاقة الشمسية لتوفير جزء من احتياجات الإنارة.
- تعتمد إدارة النفايات في المخيم منذ عدة سنوات على توفير حاويات مخصصة لفرز النفايات، تشمل الألمنيوم والبلاستيك والكرتون والورق. كما يجري تقديم خدمات طعام أكثر استدامة باستخدام أدوات وأوعية خشبية، مع الاستغناء عن العبوات البلاستيكية الخاصة بالأغذية. أما النفايات الخاصة، مثل الزيوت المستعملة، فقد خُصصت لها «نقطة خضراء» لجمعها، بما يساهم في حماية التربة وإتاحة نقلها إلى مراكز معالجة متخصصة. ومن جهتها، تحرص شركة «بي إف غودريتش»، الشريك الرسمي لرالي داكار، على جمع الإطارات وإعادة تدويرها، كما أطلقت حملة «الصحراء النظيفة» التي تُنظم سنويًا على هامش إحدى مراحل الرالي، بالتعاون مع إحدى الجامعات المحلية.
- إضافة إلى ذلك، تُجرى عملية تنظيف شاملة لموقع المخيم بشكل منهجي بعد مغادرة قافلة الرالي.